ابن عابدين

289

حاشية رد المحتار

ثم قال ما نصه : بشر عن أبي يوسف : رجل أقرض رجلا طعاما أو غصبه إياه وله حمل ومؤنة والتقيا في بلدة أخرى الطعام فيها أغلى أو أرخص : فإن أبا حنيفة قال : يستوثق له من المطلوب حتى يوفيه طعامه حيث غصب أو حيث أقرضه ، وقال أبو يوسف : إن تراضيا على هذا فحسن ، وأيهما طلب القيمة أجبر الآخر عليه ، وهي القيمة في بلد الغصب أو الاستقراض ، والقول في ذلك قول المطلوب ، ولو كان الغصب قائما بعينه أجبر على أخذه لا على القيمة ا ه‍ . وفيها أيضا : وذكر القدوري في شرحه : إذا استقرض دراهم بخارية ، والتقيا في بلدة لا يقدر فيها على البخارية ، فإن كان ينفق في ذلك البلد ، فإن شاء صاحب الحق أجله قدر المسافة ذاهبا وجائيا واستوثق منه ، وإن كان البلد لا ينفق فيها وجب القيمة ا ه‍ . وقدمنا أول البيوع أن الدراهم البخارية فلوس على صفة مخصوصة ، فلذا أوجب القيمة إذا كانت لا تنفق في ذلك البلد لبطلان الثمينة بالكساد ، كما قدمناه ، وبهذا ظهر أنه لو كانت الدراهم فضتها خالصة أو غالبة كالريال الفرنجي في زماننا فالواجب رد مثلها ، وإن كانا في بلدة أخرى ، لان ثمنية الفضة لا تبطل بالكساد ولا بالرخص أو الغلاء ، ويدل عليه ما قدمناه عن كافي الحاكم من أنه لا ينظر إلى غلاء الدراهم ، ولا إلى رخصها هذا ما ظهر لي ، فتأمل وانظر ما كتبناه أول البيوع . قوله : ( استقرض شيئا من الفواكه الخ ) المراد ما هو كيلي أو وزني إذا استقرضه ثم انقطع عن أيدي الناس قبل أن يقبضه إلى المقرض ، فعند أبي حنيفة : يجبر المقرض على التأخير إلى إدراك الجديد ليصل إلى عين حقه ، لان الانقطاع بمنزلة الهلاك ، ومن مذهبه أن الحق لا ينقطع عن العين بالهلاك ، وقال أبو يوسف : هذا لا يشبه كساد الفلوس ، لان هذا مما يوجد ، فيجبر المقرض على التأخير إلا أن يتراضيا على القيمة ، وهذا في الوجه كما لو التقيا في بلد الطعام فيه غال فليس له حبسه ، ويوثق له بكفيل حتى يعطيه إياه في بلده ، ذخيرة ملخصا . قوله : ( بنفس القبض ) أي قبل أن يستهلكه . قوله : ( خلافا للثاني ) حيث قال : لا يملك المستقرض القرض ما دام قائما ، كما في المنح آخر الفصل ا ه‍ ح . قوله : ( فله رد المثل ) أي لو استقرض كر بر مثلا وقبضه فله حبسه ورد مثله ، وإن طلب المقرض رد العين ، لأنه خرج عن ملك المقرض ، وثبت له في ذمة المستقرض مثله لا عينه ولو قائما . قوله : ( بناء على انعقاده الخ ) هكذا نقل هذه العبارة هنا في المنح عن البحر ، ونقل أيضا عن الزيلعي : أنهم اختلفوا في انعقاده بلفظ القرض ، قيل : ينعقد ، وقيل : لا ، وقيل : الأول قياس قولهما ، والثاني : قياس قوله ا ه‍ . قلت : والعبارتان غير مذكورتين في هذا الفصل من البحر وشرح الزيلعي ، وإنما ذكرهما في كتاب النكاح عند قول الكنز : وينعقد بكل ما وضع لتمليك العين في الحال ، فالضمير في انعقاده في عبارة البحر المذكورة في الشرح ، وعبارة الزيلعي التي نقلناها عائدة على النكاح لا على القرض كما يوهمه كلام الشارح تبعا للمنح ، وهذا أمر عجيب ، نعم لهذه المسألة مناسبة هنا ، وذلك أن ظاهر كلام المتن ترجيح قولهما ، فكان المناسب للشارح أن يقول : وعلى هذا ينبغي اعتماد انعقاد النكاح بلفظ القرض ، وهو أحد الصحيحين لافادته الملك للحال ، فافهم .